بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
سيدي يا رسول الله ﷺ
أضع جبيني على التراب حياءً وتقصيراً، وأستأذن بين يدي مقامك الشريف بكلماتٍ يخطّها عبدٌ مثقلٌ بالذنوب، راجياً من الله أن يجعلها صادقةً في محبتها، خالصةً في شوقها، مقبولةً عنده وعند حبيبه المصطفى ﷺ.
سيدي يا رسول الله،
لم أتشرف برؤية وجهك الكريم، ولم أكن من أهل مكة الذين سمعوا الوحي يتنزل غضاً طرياً بين أزقتها وشعابها. لم أكن ممن دخلوا دار الأرقم، ولم أكن من الذين وقفوا على أبواب المدينة المنورة يستقبلونك يوم الهجرة المباركة، وقد أشرقت الدنيا كلها بقدومك.
لم أصلِّ خلفك.
ولم أجلس في مجلسك.
ولم أسمع صوتك الشريف.
ولم أصحبك في سفرٍ أو جهاد.
لكنني أحببتك.
أحببتك حباً لا تستطيع الكلمات أن تحيط به، حباً ورثناه جيلاً بعد جيل، حتى وصل إلينا نورُه صافياً رغم تعاقب القرون وتبدل الأحوال.
عرفناك من خلال سيرتك العطرة.
عرفناك من خلال أخلاقك.
عرفناك من خلال رحمتك التي وسعت القريب والبعيد، والصديق والعدو، والصغير والكبير.
حدثتنا السيرة عن تواضعك، وعن حلمك، وعن لطفك بأهلك وأصحابك، وعن رحمتك بالأطفال، وعن عطفك على المساكين والضعفاء.
حدثتنا كيف كنت تخيط ثوبك بيدك، وتخصف نعلك، وتحلب شاتك، وتخدم أهلك، وأنت سيد ولد آدم وأشرف الخلق عند الله.
حدثتنا كيف كنت تبادر الناس بالسلام، وتقبل أعذارهم، وتزور مرضاهم، وتجبر خواطرهم، وتواسي أحزانهم.
فما عرف التاريخ قلباً أرحم من قلبك، ولا روحاً أصفى من روحك، ولا إنساناً أكمل منك خُلُقاً وخَلْقاً.
يا رسول الله ﷺ… ما زلت حياً في القلوب
لقد مضت أكثر من أربعة عشر قرناً على انتقالك إلى الرفيق الأعلى، وتعاقبت الدول والحضارات، وسقطت الممالك وتغيرت الحدود، لكن ذكرك ما زال حياً لا يخبو.
ما زال اسمك يصدح به المؤذنون في مشارق الأرض ومغاربها.
وما زالت سنتك تُعلَّم.
وما زالت سيرتك تُروى.
وما زالت القلوب تهفو إلى مدينةٍ تضم جسدك الشريف.
وما زال الملايين ممن لم يروك يشتاقون إليك وكأنهم عرفوك بالأمس.
وما زال الآباء يعلمون أبناءهم حبك قبل أن يعلموهم أسماء الرجال والعظماء.
وما زالت العيون تدمع كلما ذُكرت مواقف رحمتك، أو تليت أخبار صبرك، أو رُويت صفحات جهادك في سبيل الله.
سيدي يا رسول الله ﷺ… لو رأيت أمتك اليوم
لو رأيت الأمة التي سهرت من أجلها الليالي.
الأمة التي دعوت لها في سجودك.
الأمة التي حملت همها في قلبك حتى آخر لحظات حياتك.
الأمة التي قلت عنها: “أمتي، أمتي”.
يا رسول الله،
إن غزة تنزف.
وأطفالها يُنتشلون من تحت الأنقاض.
وأمهاتها يودعن أبناءهن بالصبر والاحتساب.
وآباؤها يقفون أمام الجوع والحصار والفقد وهم لا يملكون إلا الإيمان بالله.
والمسجد الأقصى ما زال أسيراً ينتظر رجالاً يهبّون لنصرته.
وفي بقاع كثيرة من أرض الإسلام، يتشرد الملايين، وتُهدم البيوت، وتُسفك الدماء، ويُبتلى المؤمنون بألوان من المحن والشدائد.
يا رسول الله،
لقد كثرت فينا أسباب القوة، وقلَّت معاني القوة الحقيقية.
وكثرت المعلومات، وقلَّت الحكمة.
وكثرت الكلمات، وضعفت الأعمال.
وتفرقت القلوب بعد أن كان يجمعها كتاب واحد، وقبلة واحدة، ونبي واحد.
وأصبح كثير من المسلمين غرباء في أوطانهم، وغرباء في زمانهم، يتمسكون بدينهم بين الفتن كما يتمسك القابض على الجمر.
ولكننا لم ننسك يا رسول الله ﷺ
رغم كل ما أصابنا، لم ننسك.
ما زلنا نلوذ بسنتك إذا اشتدت الظلمات.
وما زلنا نستضيء بهديك إذا اضطربت الطرق.
وما زلنا نؤمن أن عزتنا في اتباعك، وأن نجاتنا في الاقتداء بك، وأن سعادتنا في السير على نهجك.
ما زلنا نجتمع لسماع سيرتك.
وما زلنا نفرح إذا ذُكرت شمائلك.
وما زلنا نرسل عليك الصلاة والسلام في كل يوم وليلة.
وما زالت قلوبنا تتطلع إلى اليوم الذي يجمعنا الله فيه بك.
سيدي يا رسول الله ﷺ
أنا واحد من أمتك.
عبدٌ ضعيف.
مقصرٌ في حق ربه.
مثقلٌ بالذنوب والتقصير.
لكنني أسأل الله أن لا يحرمني حبك أبداً.
فما أعظمها من نعمة أن يحمل الإنسان في قلبه محبة رسول الله ﷺ.
وما أعظمها من كرامة أن يُبعث المرء يوم القيامة مع من أحب.
دعاء وختام
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد صلاةً تملأ بها قلوبنا نوراً ومحبةً وشوقاً إليه.
اللهم احشرنا تحت لوائه.
واسقنا من حوضه شربةً هنيئةً لا نظمأ بعدها أبداً.
وارزقنا شفاعته العظمى يوم القيامة.
اللهم اجعل حبك وحب نبيك الكريم أحب إلينا من أنفسنا وأموالنا وأهلينا والناس أجمعين.
اللهم انصر المستضعفين من المسلمين في كل مكان.
اللهم فرّج عن أهل غزة، واحفظ المسجد الأقصى، ووحّد صفوف الأمة، وأصلح قلوبها، وردها إلى دينك رداً جميلاً.
اللهم لا تحرمنا من صحبة نبيك ﷺ في الدنيا باتباع سنته، وفي الآخرة بمرافقته في جنات النعيم.
آمين يا رب العالمين.





