الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
تُعد قصة فرعون من أعظم القصص التي وردت في القرآن الكريم، لما تحمله من العبر والدروس المتعلقة بطغيان الإنسان عندما يتجرد من الإيمان، وكيف تكون عاقبة الظلم والاستكبار مهما بلغت قوة صاحبه وسلطانه.
فمن المعلوم أن الله تعالى نجّى نبيه موسى عليه السلام ومن آمن معه من بني إسرائيل، بعدما أمره أن يضرب البحر بعصاه، فانفلق البحر بأمر الله تعالى وصار كل فرق كالطود العظيم، فعبر موسى وقومه سالمين. ثم تبعهم فرعون وجنوده وهم في أوج غرورهم وقوتهم، ظانين أنهم قادرون على إدراك بني إسرائيل والقضاء عليهم، فإذا بقدرة الله عز وجل تحيط بهم من كل جانب، فيطبق البحر عليهم ويغرقون أجمعين.
قال الله تعالى:
﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: 65-66].
وقد سجّل القرآن لحظة النهاية المهيبة لهذا الطاغية الذي ادّعى الربوبية وقال لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، فلما أدركه الغرق وأيقن بالهلاك أعلن إيمانه، ولكن بعد فوات الأوان، فقال سبحانه:
﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 90].
فجاءه الرد الإلهي الحاسم:
﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: 91].
ولكن الله تعالى أراد أن يجعل من هلاك فرعون آية ظاهرة للناس، فلم يكتفِ بإغراقه، بل أخرج جسده بعد موته ليكون دليلاً قاطعاً على نهايته، وليزول الشك عن بني إسرائيل الذين رأوا بطشه وسلطانه سنوات طويلة. قال تعالى:
﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس: 92].
وقد قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية:
“قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من السلف: إن بعض بني إسرائيل شكوا في موت فرعون، فأمر الله البحر أن يلقيه بجسده سوياً بلا روح، وعليه درعه المعروفة على نجوة من الأرض، وهو المكان المرتفع، ليتحققوا موته وهلاكه”.
وتحمل هذه الآية رسالة عظيمة لكل زمان ومكان، ففرعون الذي امتلك الجيوش والقصور والسلطان انتهى جثة هامدة لا تملك لنفسها شيئاً، ليبقى ذكره مثالاً للطغيان وعاقبته. ولهذا قال تعالى: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾، أي عبرة وعظة لمن يأتي بعده من الأمم والأجيال.
أما ما يُشاع في العصر الحديث من أن إحدى المومياوات المصرية المكتشفة هي جسد فرعون الذي عاصر موسى عليه السلام، فهذه مسألة لم يقم عليها دليل علمي أو تاريخي قطعي. بل إن الباحثين والمؤرخين اختلفوا اختلافاً كبيراً في تحديد شخصية فرعون موسى.
فمنهم من زعم أنه توت عنخ آمون، ومنهم من قال إنه رمسيس الثاني، ومنهم من ذهب إلى غير ذلك من الآراء، إلا أن هذه الأقوال تبقى في دائرة الظنون والافتراضات التي لا تستند إلى دليل حاسم.
والذي يظهر من النصوص الشرعية أن الله تعالى أخرج جسد فرعون بعد غرقه ليكون آية لمن شاهده من قومه وبني إسرائيل، أما الادعاء بأن جسده بقي محفوظاً آلاف السنين إلى يومنا هذا وأنه عُثر عليه بعينه، فليس عليه دليل شرعي ولا تاريخي قاطع.
وقد أشار عدد من الباحثين إلى أن الآثار المصرية الكثيرة والمتنوعة، رغم وفرتها، لا تتضمن نصاً صريحاً أو إشارة مؤكدة إلى قصة فرعون موسى وبني إسرائيل. وقد أكد ذلك الأستاذ الدكتور محمد بيومي مهران، أستاذ التاريخ بجامعة الإسكندرية، في كتابه “مصر والشرق الأدنى القديم”.
وخلاصة الأمر أن الحكمة المؤكدة التي نص عليها القرآن الكريم هي أن الله سبحانه أظهر جسد فرعون بعد هلاكه ليكون آية للناس وعلامة على سقوط الطغيان مهما بلغ جبروته. فالعبرة ليست في معرفة اسم فرعون أو تحديد موميائه، وإنما في استحضار الدرس الذي أراد الله أن يبقى خالداً: أن الملك لله وحده، وأن الظلم والاستكبار مهما طال أمدهما فمصيرهما إلى الزوال والهلاك.
﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾.





