تتجدد الأسئلة حول كيفية تعامل “إسرائيل” مع النكبة الفلسطينية وتبعاتها، وذلك مع ذكرى أحداثها الـ78 التي غيّرت وجه فلسطين والمنطقة، لا سيما في ما يتعلق بالأرشيف الإسرائيلي الرسمي نفسه، ومحاولات صياغة رواية تنكر الطرد وتعيد تفسير ما جرى.
قبل سنوات من قيام “المؤرخين الجدد” بكشف النقاب عن طرد الفلسطينيين من منازلهم في أحداث النكبة (تُسمى إسرائيلياً حرب الاستقلال)، أدرك رئيس الوزراء حينها ديفيد بن غوريون أنه في “مأزق”، ودفعه الضغط الأمريكي في ذلك الوقت لإعادة اللاجئين، لطلب “بحث أكاديمي” يخبر العالم بأن العرب “غادروا” بمحض إرادتهم.
ثغرة في جدار الأرشيف
ذكر تقرير مطول لصحيفة “هآرتس” أن “العين الفاحصة والرقابة الإسرائيلية فشلت في رصد الملف رقم “غيمل لاميد –17028/18″ في أرشيف الدولة (جيم لام)، نظراً لأن الملفات المتعلقة بـ”الخروج الفلسطيني” عام 1948 تظل عادة مغلقة في الأرشيفات الإسرائيلية، رغم أن السرية المفروضة عليها، وفق القانون الإسرائيلي، قد انتهت صلاحيتها منذ زمن.
وذكر التقرير أن حتى تلك الملفات التي كانت مفتوحة سابقاً واستخدمها “المؤرخون الجدد” لم تعد متاحة. وفي فترة التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، أغلق الأرشيف الإسرائيلي جزءاً كبيراً من “الملفات المتفجرة”، بعد الصدى الهائل الذي أحدثته كتب المؤرخين.
وأُعيد تصنيف الوثائق الإسرائيلية التي أبلغت عن طرد الفلسطينيين أثناء الحرب، أو عن مجازر وحالات اغتصاب ارتكبها جنود إسرائيليون، أو أحداث أخرى بدت محرجة للمؤسسة، كوثائق “سرية للغاية”.
وأوضح التقرير أن الباحثين الذين حاولوا تتبع المراجع في كتب “بني موريس” أو “آفي شلايم” أو “توم سيغف” (مؤرخون إسرائيليون) واجهوا مراراً طريقاً مسدوداً، ولهذا السبب فإن الوصول إلى الملف “غيمل لاميد –17028/18” – الذي يحمل عنوان “الهروب في 1948” – يُعد أمراً مفاجئاً للغاية.
وكُتبت وثائق هذا الملف بين عامي 1960 و1964، ويُوصف على أنه محاولة ترسيخ الرواية الإسرائيلية للنكبة الفلسطينية ومنحها غطاءً أكاديمياً، وذلك بقيادة بن غوريون. وطُلب من أفضل “المستشرقين” العاملين في خدمة الدولة تقديم أدلة على أن الفلسطينيين هربوا في 1948 ولم يُطردوا.
سردية بن غوريون
أكد التقرير أنه من المشكوك فيه أن يكون بن غوريون قد سمع كلمة “نكبة” في حياته، لكنه أدرك منذ نهاية الخمسينيات أهمية “السردية”، وكان يعلم أنه مثلما نجحت الصهيونية في غضون عقود قليلة في خلق سردية جديدة لـ”الشعب اليهودي”، فلن يمر وقت طويل قبل أن تنشأ سردية خاصة لـ”الشعب الآخر” الذي كان في أرض فلسطين قبل الصهيونية.
وقدّر بن غوريون أن السؤال عما حدث في 1948 سيقف في مقدمة الصراع الدبلوماسي الإسرائيلي في العالم، خاصة أمام الحركة الوطنية الفلسطينية: إذا طُرد الفلسطينيون فستبدو مطالبهم بالعودة عادلة للعالم، أما إذا غادروا بـ”اختيارهم” واقتنعوا بوعود قادتهم بالعودة بعد النصر فسيراها العالم أقل عدالة.
وأكد التقرير أن معظم المؤرخين، سواء يدعمون الصهيونية أو لا، يتفقون على أنه في 120 قرية على الأقل من أصل 530، طُرد السكان الفلسطينيون من قبل القوات اليهودية، وفي نصف القرى هرب السكان بسبب المعارك ولم يُسمح لهم بالعودة، وفقط في قرى معدودة غادر السكان نتيجة أوامر من قادة أو وجهاء ومخاتير.
وأضاف أن “بن غوريون، على الأرجح، كان يعرف هذه الصورة جيداً، ورغم أن الكثير من هذه الأوامر بالإخلاء والمغادرة كان لا يزال سرياً، إلا أن ما كُشف في الوثائق يثبت أن قادة الجيش أبلغوه بعمليات طرد وتفجير قرى، وحصلوا غالباً على موافقته المسبقة، كما في اللد والرملة وقرى الجبهة الشمالية”.
محاولات الإخفاء
حتى قبل انتهاء الحرب، سعت “الدعاية” الإسرائيلية لإخفاء حالات الطرد. في كتابه “ذاكرة في كتاب”، ينقل “مردخاي بار-أون” (مؤرخ إسرائيلي) عن “أهارون تسيزلينغ” (وزير الزراعة آنذاك) قوله أثناء طرد الفلسطينيين من اللد والرملة: “نحن لم نطرد العرب من أرض إسرائيل.. بعد أن بقوا في نطاق حكمنا، لم يُطرد من قبلنا أي عربي واحد”.
وفي صحيفة “دافار” كتب الصحفي “أ. أوفير”: “لقد صرخنا عبثاً خلف العرب المتدفقين خلف الحدود: ابقوا معنا!”. (صحيفة دافار كانت تابعة للهستدروت، أي المنظمة العامة للعمال في أرض إسرائيل، وأغلقت عام 1996).
وأكد التقرير أن كلاً من بار-أون وتسيزلينغ وأوفير كانوا مرتبطين بجهاز الحكم أو الجيش، وعرفوا أن الكثيرين طُردوا وأن عودتهم حُظرت تماماً، وفهموا أن هذا سر يجب الحفاظ عليه جيداً.
ضغوط كينيدي
مع بداية ولاية جون كينيدي عام 1961، تعالت الأصوات في الإدارة الأمريكية التي تطالب “إسرائيل” بالسماح بعودة جزء من اللاجئين. وكانت “إسرائيل” قد وافقت عام 1949 على عودة 100 ألف لاجئ مقابل سلام شامل، لكنها في الستينيات رفضت حتى هذا الرقم وتحدثت عن 20–30 ألفاً كحد أقصى.
على خلفية ضغوط كينيدي واجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، عقد بن غوريون اجتماعاً خاصاً في مكتبه بمشاركة أقطاب حزب “ماباي” (اندمج مع حزب المعراخ وأصبح حزب العمال لاحقاً): غولدا مئير، موشيه دايان، وموشيه شاريت.
وكان بن غوريون مقتنعاً بأن قضية اللاجئين هي “مشكلة إعلامية” (هسبراه، أي دعاية) أولاً، وأن “إسرائيل” قادرة على إقناع العالم بأنهم هربوا، قائلاً: “يجب أولاً سرد الحقائق: كيف هربوا. بقدر ما أعلم، معظم الهاربين كانوا قبل قيام الدولة، وبمحض إرادتهم، وضد رغبة الهاغاناه التي قالت لهم يمكنكم البقاء”.
وأضاف أنه “بعد قيام الدولة، حسب علمي، فقط عرب الرملة واللد غادروا مكانهم، أو ضُغط عليهم ليغادروا”. وكانت هذه التصريحات إطار النقاش الذي حدده بن غوريون، رغم أن الحاضرين عرفوا أنه لا يفتقر إلى الدقة فحسب، بل يجانب الصواب تماماً.
معهد شيلوح
معهد “شيلوح” (أصبح لاحقاً مركز موشيه ديان للدراسات الشرق أوسطية والأفريقية) كان كياناً غريباً في الخمسينيات؛ أنشأه “رؤوفين شيلوح” بعد تركه “الموساد”، وكان الهدف “بحث القضايا الراهنة بمستوى علمي ونشر وجهات النظر الإسرائيلية في العالم”.
وكان المعهد تعاوناً بين الجامعة العبرية ووزارات الخارجية والحرب، وأداره الرائد في الاستخبارات “يتسحاق أورون”. وأثبت البروفيسور جيل أيال أن المعهد عمل جنباً إلى جنب مع المخابرات العسكرية التي زودته بالوثائق بانتظام.
وأكد التقرير أن الباحثين هناك رأوا أنفسهم موظفي دولة، وكانت أبحاثهم سرية وغير منشورة. في عام 1965 انتقل المعهد إلى جامعة تل أبيب، وفي 1983 تم تغيير اسمه إلى “مركز دايان”.
شهادة روني غباي
أحد الباحثين كان “روني غباي”، مهاجراً من العراق، أتم الدكتوراه في سويسرا عام 1959 حول اللاجئين. ويروي غباي من أستراليا كيف وجد الأبواب مغلقة أمام “الشرقيين” في الأكاديمية آنذاك، مما دفعه للعمل في المعهد.
وأوضح التقرير أنه “على الأرجح، لم يعرف بن غوريون أن غباي أكد في دكتوراه سابقة أن القوات اليهودية طردت العرب وفجرت قراهم في حالات كثيرة”.
عندما بدأ العمل لمهمة بن غوريون، حصل غباي على تصريح نادر لدخول الأرشيفات المغلقة، بما في ذلك وثائق جمعها “الشاباك”. يقول غباي: “قالوا لنا: لا نعرف ماذا نفعل بهذه الصناديق. ذهبت إلى مقر الشاباك لثلاثة أيام وفحصت كل شيء، ثم حرقوا المواد لاحقاً”. لكنه لم يُمنح حق الوصول إلى محاضر اجتماعات الحكومة.
في رسالة من عام 1961 إلى المدير العام للخارجية، كتب غباي أن “الهروب – عدا حالات نادرة – جاء نتيجة تأثير متراكم لعوامل سياسية وعسكرية ونفسية تُبرز ذنب العرب”، وأنهى رسالته بـ”آمل أن تخدم هذه الكراسة السياسة الخارجية الإسرائيلية بأمانة”.
ويذكر غباي بعد ذلك بسنوات الأمور بشكل مختلف؛ ويقول، بحسب التقرير، إنه لم يجد في تسجيلات المخابرات أي دليل على أن القادة العرب حثوا الناس على الهرب، بل إن ما حدث في حيفا كان استثناءً وقع وسط قصف “الهاغاناه” للسوق العربي.
“الكتاب الأبيض”
لم يرضَ بن غوريون عن بحث غباي، فأمر “أوري لوبراني” بإعداد بحث جديد، وجرى تكليف “موشيه ماعوز” بالمهمة، وهو الذي جمع 150 وثيقة وأجرى مقابلات مع ضباط وفلسطينيين.
ويذكر ماعوز في تصريحات نُشرت عام 2013 أن بحثه أشار بوضوح إلى الطرد في اللد والرملة، لكن وثائق الأرشيف تُظهر صورة مختلفة: “جميع ملخصاته آنذاك كانت تهدف لإثبات أن العرب هربوا بإرادة قادتهم وأن المنظمات اليهودية بذلت جهداً لمنع الهرب”.
وبعد ماعوز جاء الطالب “أوري شتندل” عام 1963، والتقى بن غوريون الذي سمّى البحث “الكتاب الأبيض”. يروي شتندل أن بن غوريون قال له: “نحتاج لهذا الكتاب لأنهم يقولون إن العرب طُردوا.. اكتبوا الحقيقة”.
وعندما أتم شتندل العمل، أخبر بن غوريون بوضوح: “لا شك أن هناك طرداً في اللد والرملة”، فصدمه بن غوريون بسؤال: “هل أنت متأكد؟”.
ويظن شتندل أن بن غوريون ربما لم يعرف الحقيقة كاملة لانشغاله بالاستراتيجيات الكبرى، لكن المؤرخين حالياً يملكون أدلة على علمه وموافقته، بحسب ما أكد التقرير.
“صناعة الوهم”
في نهاية 1961، اقترح رئيس المنظمة الصهيونية العالمية ورئيس مجلس إدارة الوكالة اليهودية موشيه شاريت (رئيس وزراء ووزير خارجية سابق) خديعة تتمثل في تسريب هذه المواد لصحفيين أجانب لنشرها كـ”تحقيقات موضوعية” دون نسبتها لـ”إسرائيل”.
وتُظهر الرسائل أن التنسيق بدأ مع “أبياد يافه” من وزارة الخارجية لنقل المواد إلى مجلة دولية كبرى، لكن الخطة لم تكتمل.
يعكس هذا الملف تطور العلاقة الإسرائيلية مع النكبة؛ ففي الستينيات لم يجرؤ أحد على الاعتراف بالطرد علناً، لكن بعد عقود أكد ماعوز أن رؤيته تغيرت بعد دراسته في أكسفورد واكتشافه للجانب العربي.
وختم التقرير الإسرائيلي بالقول: “هؤلاء الباحثون ربما لم يكذبوا بوعي كامل، بل أرادوا خداع أنفسهم لرسم صورة وردية لعام 48، العام الذي أسس الدولة، لكنه شرد شعباً آخر. حاول بن غوريون محو قصة تشريده بأدوات أكاديمية مصطنعة”.






