تعكس الوقائع والأحداث الميدانية في كل شبر من فلسطين المحتلة، إلى سعي حثيث لدى حكومات الاحتلال المختلفة لطرد الفلسطينيين من أرضهم بشتى السبل والأدوات؛ الخشنة والناعمة، فمن النقب وحتى القدس وحيفا ويافا إلى الضفة الغربية المحتلة مرورا بقطاع غزة الذي دمره جيش الاحتلال وقطع كافة شرايين الحياة فيه.
ومن المشاهد الراسخة في الذاكرة الفلسطينية والعربية والدولية، التهجير القسري لأهل فلسطين التاريخية إبان نكبة 1948 التي تصادف ذكراها الـ78 اليوم الجمعة 15 أيار/مايو 2026، وفي أفظع جريمة تطهير عرقي، هجرت العصابات الصهيونية بقوة السلاح 957 ألف فلسطيني من قراهم ومدنهم، واستولت تلك العصابات على أكثر من 85 في المئة من مساحة فلسطين التاريخية وسيطرت على نحو 774 قرية ومدينة ودمرت منها 531 بالكامل وطمست معالمها الحضارية والتاريخية الفلسطينية.
إفراغ الأرض من أهلها
وفي قطاع غزة، دفعت حرب الإبادة الإسرائيلية التي بدأت في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، إلى نزوح أكثر من مليوني من منازلهم ومناطقهم التي دمرت إلى مناطق أخرى في وسط وجنوب القطاع موازية لشاطئ البحر، وما زالت قوات جيش الاحتلال التي تسيطر على ما يزيد عن 60 في المئة من القطاع تمنع المواطنين من العودة إلى ديارهم المهدمة.
وأوضح الخبير والباحث في الشأن الفلسطيني، عبد الرحمن مغربي، أن “سياسية التهجير، هي عنصر أساسي من عناصر وجود الحركة الصهيونية على أرض فلسطين، هم يعملون على هجرة أكثر للفلسطينيين وسيطرة إسرائيلية أكثر على الأرض، أي وجود أقل عدد من الفلسطينيين في أرضهم”، مؤكدا أن “التهجير لم يتوقف فقط عند فلسطين التاريخية بل يمتد حاليا إلى بعض الدول العربية”، في إشارة لم يحدث في سوريا ولبنان.
وأشار في حديثه لـ”عربي21″، إلى تصريح أحد قادة الاحتلال وهو أكاديمي، أكد فيه أن “دافيد بن غوريون أخطأ، لأنه لم يستمر في تهجير أصحاب الأرض حتى نهر الأرض”، منوها أن “الاحتلال عبر التهجير وخاصة حاليا في غزة، يسعى إلى فرض سيطرته الكاملة على أرض فلسطين المحتلة، بمواردها وموقعها الاستراتيجي”.
وأفاد مغربي، أن “الحركة الصهيونية قامت على 3 ركائز أساسية؛ السيطرة على الأرض وتهجير السكان، إضافة إلى الاستيطان وهو عنصر أساسي في تهجير السكان وسلب ممتلكاتهم، والثالثة هي حرب الرواية، حيث عمل الاحتلال على التشويه المستمر للرواية الفلسطينية وزعزعة ارتباط الفلسطيني بهذه الأرض”.
ومع استمرار نهج التهجير القسري في مختلف المناطق الفلسطينية، نبه أن “الاحتلال يسعى بقوة إلى إفراغ الأرض من سكانها وإخراجهم من أرضهم وتخليهم عن وطنهم ومقاومتهم وتاريخهم”.
ولفت الباحث، إلى أن “حكومات الاحتلال وفي ظل تردى الأوضاع الاقتصادية والتعليمية وغيرها، تعتمد التهجير الصامت عبر فتح أبواب العمل أمام الفلسطيني لدفعه للبحث عن مكان بديل للعيش وترك أرضه وإهمالها ومن ثم فرض سيطرتهم عليها”.
وأضاف: “الاحتلال يسخر كافة الطرق والأدوات العسكرية والأمنية وحتى بعض الطرق الناعمة من أجل إجبار الفلسطيني على هجر أرضه والبحث عن مكان آخر للعيش”.
الاستجداء طريق الهاوية
وفي ظل محاولات الاحتلال وخططه المتشعبة لتحقيق ما يهدف إليه من تهجير الفلسطينيين من وطنهم، أكد مغربي، أن “نجاح الاحتلال في مخطط التهجير؛ القديم الجديد، يتوقف على مدى قدرة الشعب الفلسطيني على الصمود أكثر، وتلاحم القيادة مع شعبها، وأيضا قدرة الفلسطينيين على مواجهة الانهيار الاقتصادي في فلسطين، وهذه عوامل أساسية في صمود الشعب الفلسطيني وبقاءه في وطنه”، مشددا على أهمية “قيام القيادة الفلسطينية بالعمل الجاد من أجل توفير حاجات أبناء شعبنا وخلق فرص عمل”.
من جانبه، أوضح أستاذ التاريخ المعاصر في عدد من الجامعات الفلسطينية بالضفة الغربية المحتلة، نظام العباسي، أن “عملية التهجير هي سياسية ممنهجة يقوم بها دائما اليمين الإسرائيلي، الاستيطان يعني الإحلال، ودائما في الثقافة العبرية يمجدون هؤلاء “الأبطال” من “الرواد الأوائل” الذي جاءوا كما يزعمون لـ”تعمير” فلسطين المحتلة”.
وأكد في حديثه لـ”عربي21″، أن “أكاذيب الصهيونية واضحة للجميع، والدول الأوروبية الداعمة سابقا لهذا الكيان أصبحت اليوم ترفض هذا الكيان وسياسته القائمة على طرد الفلسطينيين من أرضهم كي لا يبقى إنسان مقاوم يقول لا للاحتلال ولا للتهجير”.
ونوه العباسي، أن “الإبادة الجماعية التي ارتكبها جيش الاحتلال في قطاع غزة، تدل على أن سياسية التهجير أصبحت واضحة المعالم، فإذا كانت دولة الاحتلال تخفيها في فترة من الفترات لأسباب تكتيكية، ها هي اليوم واضحة المعالم في مختلف الأرض الفلسطينية، في الضفة والقدس والنقب وغزة، فعملية التهجير والإبادة تتوازي مع الفكر الصهيوني الإحلالي”.
وذكر لـ”عربي21″، أن “الاحتلال يؤكد دوما أنه لا يريد فلسطينيا وحدا في أرض فلسطين، هم يرون أن الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت، لكن التهجير بالنسبة لهم هو الأقل ضررا من قتل الفلسطينيين”.






