تتكشف خلف كواليس المشهد الإقليمي المتفجر ملامح حراك دبلوماسي بالغ التعقيد، يتجاوز في جوهره السجالات الأيديولوجية والخصومات التاريخية المعلنة، حيث تبرز في الأفق وساطة خليجية حثيثة لدى صانع القرار في واشنطن، لا تستهدف بالضرورة ترميم العلاقات مع طهران بقدر ما تروم الحفاظ على “ستاتيكو” يضمن بقاء النظام الإيراني تحت وطأة حصار منضبط. إن هذا التوجه، الذي قد يبدو للوهلة الأولى مفارقة سياسية، إنما ينهل من معطيات الواقعية السياسية الفجة، حيث تتقدم الحسابات الاقتصادية الكبرى على ما عداها من اعتبارات، وتتحول فيها “لعبة البترول” إلى حجر الزاوية في صياغة التحالفات والوساطات غير التقليدية.
إن جوهر هذا الحراك يستند إلى إدراك يقيني لدى العواصم الخليجية بأن أي انهيار دراماتيكي أو سقوط مفاجئ لمنظومة الحكم في إيران سيفضي، لا محالة، إلى تحرير المارد النفطي الإيراني من قمقم العقوبات، وإغراق الأسواق العالمية بتدفقات هائلة من الخام خارج مظلة السيطرة الحالية. هذا السيناريو الكارثي، من وجهة نظر نفعية، سيقود حتما إلى تهاو متسارع في أسعار النفط العالمية وصولا إلى مستويات متدنية تلامس عتبة الأربعين دولارا للبرميل، وهو ما يمثل طعنة في خاصرة الاستقرار المالي للدول المصدرة، وتهديدا مباشرا للموازنات السيادية التي تعتمد في نموها على استدامة الأسعار عند مستويات مجزية.
وعلى الضفة الأخرى، تتقاطع هذه الهواجس مع فلسفة أمريكية براغماتية ترى في الوفرة المالية لدى حلفائها فائضا يجب إخضاعه لموازين القوى الاقتصادية الدولية، مما يجعل من استمرار “الحالة الإيرانية” الراهنة بصيغتها المحاصرة مصلحة استراتيجية مشتركة.. إنها استراتيجية “التركيع لا الاستئصال”، حيث يراد للنظام الإيراني أن يظل رهين العقوبات، عاجزا عن تصدير ثرواته النفطية بالكامل، مما يحافظ على شح المعروض واستقرار الأسعار، وفي الوقت ذاته يبقيه في حالة من الضعف البنيوي الذي يمنع تمدده النووي أو الإقليمي. إن هذا المشهد يجسد ذروة البراغماتية السياسية، حيث تدار الأزمات بعقلية التاجر والمخطط الاستراتيجي، وحيث يصبح بقاء “الخصم” ضرورة اقتصادية لتعظيم مكاسب “الحليف”، في عالم ترمب الذي لا تحكمه العواطف، بل لغة الأرقام وتوازنات القوى فوق آبار النفط.. فهل تنجح وساطات الخليج مع جنون ترمب؟…






