في أعقاب الإبادة الجماعية في غزة، تفجّرت فضيحة جديدة من أبوظبي، بعدما عرضت شخصيات إعلامية إماراتية علنًا الحماية والإقامة الآمنة لأشخاص متهمين بالتعاون مع جيش الاحتلال الإسرائيلي داخل قطاع غزة، وعلى رأسهم ميليشيا ياسر أبو الشباب المتورطة في اغتيال الصحفي الفلسطيني صالح الجعفراوي.
انتشر التصريح على نطاق واسع في المنصات المقربة من النظام الإماراتي، وجرى الترويج له كرسالة فخر لا خزي. إذ قُدّم العميل الذي تعاون مع الاحتلال في صورة “بطل”، ووُعد بإقامة مريحة في دبي. وبالنسبة للفلسطينيين الذين ما زالوا يدفنون شهداءهم تحت الركام، جاءت الكلمات كطعنة ثانية في القلب.
من التواطؤ إلى التمجيد
توقيت الرسالة الإماراتية لم يكن مصادفة، فقد تزامن مع تصاعد عمليات فصائل المقاومة الفلسطينية لتفكيك الميليشيات العميلة المرتبطة بالاحتلال داخل القطاع، وهي عصابات اشتهرت بالسطو على المساعدات الإنسانية والتجسس لصالح جيش الاحتلال والمشاركة في الاغتيالات.
ووفقًا لشهادات ميدانية، شوهدت مركبات تحمل لوحات إماراتية إلى جانب عناصر تلك العصابات، كما تحدّثت مصادر ميدانية عن تمويل وتدريب وإمداد لوجستي إماراتي شمل سيارات رباعية الدفع وأنظمة اتصالات متطورة وصلت إلى غزة عبر قنوات غير مباشرة.
وبدل أن تنأى أبوظبي بنفسها عن هذا السلوك، اختارت احتضان العملاء وتلميع صورتهم وتقديمهم كضحايا يحتاجون إلى “اللجوء”، في مشهد لا يمكن وصفه إلا بأنه تأمين سياسي لمن خدموا المحتل.
الحسابات السياسية وراء عرض الحماية الإماراتي
يرى محللون أن عرض الحماية الإماراتي لعملاء غزة ينبع من ثلاث حسابات مترابطة:
-
- إدارة أمنية بالوكالة: إذ تسعى أبوظبي إلى إنشاء شبكات محلية يمكن التحكم بها داخل غزة تعمل ضد المقاومة، لتخفيف كلفة الانخراط الإسرائيلي المباشر، وخلق أدوات ضبط محلية يمكن التفاوض معها لاحقًا.
-
- سباق النفوذ الإقليمي: بينما تتنافس القاهرة والدوحة وأنقرة والرياض على موطئ قدم في غزة بعد الحرب، تحاول أبوظبي تثبيت وجود مبكر عبر بوابة الأمن المحلي، بما يمنحها أوراق ضغط في ملفات الإعمار والمعابر والممرات.
-
- رسائل إلى واشنطن وتل أبيب: تسعى الإمارات لتأكيد أنها شريك عملي يقدم “حلولًا ميدانية”، وليس مجرد داعم مالي، وهو ما ينسجم مع سلوكها في ربط نفوذها الإقليمي بإدارة ملفات أمنية حساسة لصالح حلفائها.
الوهم الإماراتي بالحماية
لكن التاريخ يبرهن أن العملاء في حروب الوكالة سرعان ما يُرمى بهم عند انتهاء دورهم. ففي حالة ياسر أبو الشباب، تحيط به الأخطار من كل الجهات: من المقاومة التي ترى فيه رمزًا للخيانة، ومن الخصومات العشائرية في غزة، بل ومن الرعاة الإقليميين أنفسهم الذين قد يتخلصون منه لإخفاء الأدلة على تورطهم.
وحتى إن نُقل إلى دبي، فسيجد نفسه في وضع لا يُحسد عليه: ضيف مفخخ، محمي اليوم، ومهدد غدًا، لا لشيء سوى أنه يعرف أكثر مما ينبغي.
خيانة تتجاوز حدود غزة
وبذلك، لا تقدم الإمارات حماية للأفراد، بل خيانة للأمة بأسرها. فكل لجوء تقدمه لعميل يعني رسالة واضحة: من يخن فلسطين سيجد في أبوظبي مأمنًا. ومن يقاوم الاحتلال، سيُطارد ويُحاصر.
إن ما تسميه الإمارات “الاستقرار” هو في جوهره زعزعة استقرار الأمة، وتفكيك ما تبقّى من الموقف الإسلامي والعربي الموحّد تجاه فلسطين








