{اقتربت الساعة وانشق القمر}.. إعلان رباني نزل، وسيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مكة المكرمة، بأن الساعة اقتربت، ودلت عليها معجزة انشقاق القمر، ودنا أجل انقضاء الدنيا وفناء الكون الموجود.
وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قرن بين السبابة والوسطى وقال: “بُعثتُ أنا والساعة كهذه من هذه”؛ فبعثة النبي محمد- صلى الله عليه وسلم-، التي كانت قبل أكثر من 1400 عام، هي من علامات يوم القيامة الصغرى.
ولكن هذا في المقياس البشري وقت طويل؛ فعلى فرض أن عمر الإنسان 70 عاما شمسيا، فإن بين البعثة وبيننا في عامنا الجاري (2025) أكثر من عشرين جيلا من الآباء والأجداد.
هذا يعني بالضرورة أن حساباتنا لتعاقب الأيام والسنين تختلف عما هي بمقياس الله- جل وعلا- فاليوم عند الله قد يكون 50 ألف سنة أو ألف سنة مما نعد، كما في الكتاب العزيز.
اجتمعت كتب مليئة بالغث أكثر من السمين، مع أساطير وروايات شعبية، مع هوى وفكر رغائبي، وكل هذا مغلف بالأمل، ومن كل ذلك صيغت نظرة الناس إلى غد منتظر
هل تتابع وترى أخبار قرب العلامات الكبرى؟
هل سمعت، وأنت تتصفح مقاطع الفيديو عبر مواقع التواصل المختلفة، من يتحدث عن قرب دخول العالم عموما، وبلادنا (منطقة الشام) خصوصا، في علامات الساعة الكبرى، وفي الفتن والملاحم الكبرى، والتغيرات الجذرية، على ضوء ما يحصل في غزة من قتل وتجويع وتدمير مستمر منذ ما يقرب السنتين؟
هل وجدت ذلك مع استحضار أحاديث بعضها يصح وبعضها ضعيف وبعضها موضوع، أو في أقوال صحابي أو تابعي أو عالم أو مفسر؟ هل سمعت في مسجد، أو مجلس عائلي أو مع الأصدقاء ما جوهره إنزال هذه الأحاديث أو الأخبار، أو بعض ما جاء في كتب من التراث أو ما طُبع في العصر الحديث، على الواقع الذي نعيشه؟
إذا كان الجواب “نعم” فهو سبب كتابتي هذه السطور، وإذا كان “لا” فأكاد أؤكد لك بأنك ستسمع بلا ريب، خاصة في عصر الـ”ترند” وطبيعة الإنسان المولع بالبحث عن المجهول وسبر أغوار المستقبل.
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل!
مع احتلال وأحداث ضاغطة، وفي ظل انتفاضة الحجارة، وبداية ظهور توجهات لإبرام اتفاقيات “سلام” مع إسرائيل، وتغيرات تعصف بالمنظومة الاشتراكية، التي تكاد تعلن استسلامها غير المشروط للنظام الرأسمالي الغربي، وصلنا في فلسطين كتاب “المسيح الدجال.. قراءة سياسية في أصول الديانات الكبرى”، للكاتب المصري “سعيد أيوب”، وذلك في 1989. وقد تلقفته الأيدي بشغف كبير، ومن لا جلد لديه على القراءة، أصغى باهتمام لمن قرأ الكتاب.
ثم بعد تراجع هذا الاهتمام، ونسيان الكتاب تقريبا، جاءت أحداث الخليج التي احتل فيها صدام حسين دولة الكويت، وما تلاها، وإعلان جورج بوش الأب عن نظام عالمي جديد، وشعور بدأ ينتاب القلوب باليأس لما حل بالعرب من تسيد إسرائيلي بدعم أميركي للمنطقة، عاد الاهتمام بالكتاب ومناقشته من جديد! نعم، فالناس يبحثون عن بصيص أمل.
ولست هنا بصدد استعراض الكتاب الذي بُني على أساطير شعبية وكتب مختلفة، مشكوك بصحة ما فيها، ولكنه بطريقة عرضه وسرده الأحداث المنتظرة جذب الناس الذين تشحنهم عواطف ومشاعر مختلفة: مثل التوق إلى التحرر من الاحتلال الإسرائيلي، والخلاص من هيمنة الأميركي، والحلم بالعدل في زمن يعربد فيه الظلم، والحلم بوفرة المال في زمن يزداد فيه الفقر.
وطبعا، هناك مجال لإسقاط أسماء شخصيات معاصرة على شخصيات جاء ذكرها في الكتاب، مثل الآشوري (فسره القارئ بأنه صدام حسين) والسفياني الذي فسره كلٌّ على هواه. أما المسيح (المسيخ) الدجال، والذي جاءت عن ظهوره في آخر الزمان أحاديث كثيرة تؤكده، فكانت مشكلة الكتاب معه هي وقت الظهور وسياقاته والأحداث بين يديه، إضافة إلى اعتقاد ساد بأن ظهوره في زمننا بين عشية وضحاها، بسبب هذا الضخ والكلام المتكرر.
اجتمعت كتب مليئة بالغث أكثر من السمين، مع أساطير وروايات شعبية، مع هوى وفكر رغائبي، وكل هذا مغلف بالأمل، ومن كل ذلك صيغت نظرة الناس إلى غد منتظر.
ولكن، مع ما في هذا من عيوب لا تخفى لأكثر من سبب، فإننا كنا بحاجة إلى هذه الشحنات التي تجدد طاقتنا كي نواصل حياتنا، ونرفع رأسنا بثقة، ونعلي من هممنا التي لولا الأمل لكان أعلى قمة فيها هو القاع!
فهذه الأخبار عن المستقبل لها علينا هذا الفضل فقط، وهو ليس صغيرا، ولكنها من جانب آخر فيها نوع من التخدير أو التضليل!
حتى لا ننشر الوهم ثم يصاب جيل جديد بإحباط، لا سمح الله، يجب أن نفصل بين ما سبق وبين يقيننا بأن الله -عز وجل- سيُزيل الغمة، وسيعود المسجد الأقصى وفلسطين إلى العرب والمسلمين، فلا ريب في ذلك
زوال إسرائيل 2022
ومما لا يغيب عنا في هذا السياق دراسة الشيخ بسام جرار، والقائمة على حساب الجُمَّل، والتي خلاصتها أن إسرائيل ستزول في عام 2022، وقد خلص إلى هذه النتيجة في سنة 1992، وكانت هناك معززات لها من كلام إسرائيليين وغيرهم.
الشاهد في الموضوع أنها نظرية أو قراءة أو توقعات (لن نختلف على التسمية)، منحتنا جرعة أمل كبيرة جدا؛ وحتى من لا يؤمن بحساب الجُمَّل، ويركز على الواقع، عاش على أمل -ولو ضئيلا- بإمكانية تحقق النبوءة. وكنا نحدث بعضنا عما سيكون قد انقضى من أعمارنا -إذا أمد الله فيها- في 2022، وكيف ستسير الأمور؟
ومضت الأيام، وجاءت 2022 وبعدها سنوات أخرى، وما زالت إسرائيل موجودة، بل وتمارس عربدة غير مسبوقة في المنطقة. ومع أن هناك من المحبين للشيخ، وممن استولت الفكرة على مشاعرهم وعقولهم، من يحاولون إيجاد تخريجة بأن زوال إسرائيل قد بدأ فعليا في 2022، ويضعون شروحا وأدلة مفترضة، فإن الواقع الذي أمام الناس يقول: إسرائيل ما زالت موجودة، وما زال المسجد الأقصى أسيرا ومعرّضا للخطر، والشعب الفلسطيني في غزة تحت أبشع وأشد عدوان منذ أن بدأت قضية فلسطين!
أكرر أنه لولا هذه الجرعات من الأمل لما تمكن جيلنا، ومن هم أكبر منه، ممن شغلهم الشأن العام وتقدمت أولويته في عقلهم ووجدانهم على الشأن الخاص (ونحن كثر)، من مواصلة الحياة الطبيعية إلا مع أمراض جسدية أو نفسية.. لله الحمد، وله الأمر من قبل ومن بعد.
الفصل بين الخرافة واليقين!
حتى لا ننشر الوهم ثم يصاب جيل جديد بإحباط، لا سمح الله، يجب أن نفصل بين ما سبق وبين يقيننا بأن الله -عز وجل- سيُزيل الغمة، وسيعود المسجد الأقصى وفلسطين إلى العرب والمسلمين، فلا ريب في ذلك.
وسورة الإسراء، وما صح من أحاديث، عامل اطمئنان وتيقن من هذه الناحية. ولكن تعمد وضع تواريخ محددة، ولو أُتبعت بـ”والله أعلم” يجب أن ينتهي، لأن هناك من قد يُفتن في دينه وإيمانه.
اللهم إنا نسألك يقينا وصبرا ونصرا.








