شوهدت مؤخرا مقاطع فيديو منتشرة، تظهر خلالها سحب ضخمة تشبه شكل “المشروم” أو “فطر عيش الغراب” الشهير، صادرة من مدن إيرانية عدة، وبشكل خاص طهران، ما دفع البعض لتصور أن ذلك يتعلق بانفجارات نووية. جاوز حسابات اللحظة؟
ترسخ في الوعي العام أن سحابة المشروم (Mushroom Cloud) علامة شبه مؤكدة على انفجار نووي، لكن الفيزياء تقول شيئا أدق، وهو أن هذا الشكل ليس بصمة نووية، بل نتيجة طبيعية لديناميكا الموائع، أو بشكل خاص ما يسمى “حالة عدم الاستقرار لرايلي تايلور”.
بعبارة أخرى، سحابة المشروم هي ظاهرة فيزيائية عامة يمكن أن تنتج عن عدة أنواع من الانفجارات أو الحرائق الضخمة، النووية منها وغير النووية، إذا توفرت الشروط المناسبة.
هذا الفرق في الكثافة يولد قوة طفو تدفع الغاز الساخن إلى أعلى بسرعة، مكونا عمودا صاعدا. أثناء الصعود، يشفط العمود الهواء المحيط والغبار وبخار الماء، فيزداد حجمه وتعقيده، هذه المرحلة تشبه ما يحدث في سحب العواصف الرعدية، لكن على نطاق أسرع وأكثر عنفا.
مع استمرار الارتفاع، يصل العمود الساخن إلى طبقات جوية أكثر استقرارا أو إلى مستوى تتوازن فيه كثافته مع الهواء المحيط. عند هذه النقطة يبدأ التمدد أفقيا بدلا من الصعود العمودي الخالص.
في هذا السياق، يتباطأ مركز العمود بينما تستمر الحواف في الالتفاف للخارج، فتتشكل “قبعة” عريضة فوق “ساق” رفيعة نسبيا، وهو الشكل الذي يشبه فطر المشروم، وتلعب دوامات القص على أطراف العمود دورا مهما في لف السحابة ومنحها مظهرها المميز.
هذه الطاقة الكبيرة تخلق عمود طفو قويا ومنتظما يصل إلى ارتفاعات شاهقة بسرعة، لذلك يظهر الشكل الكلاسيكي للمشروم بوضوح لافت. لكن الفيزياء نفسها تعمل في انفجارات أخرى، الفرق غالبا في المقياس والوضوح وليس في المبدأ.
يمكن للانفجارات الكيميائية الكبيرة -مثل تفجر مخازن الذخيرة أو خزانات الوقود أو المواد الصناعية عالية الطاقة- أن تولد سحبا فطرية الشكل إذا كانت الطاقة المنطلقة كبيرة ومركزة زمنيا.
وهذا مثلا ما لاحظناه في انفجار مرفأ بيروت قبل سنوات، فقد كان انفجارا كيميائيا وليس نوويا، ورغم ذلك فقد ظهر شكل سحابة المشروم مع الانفجار، بسبب قوته الشديدة.
في هذه الحالات، يحدد حجم المادة المتفجرة، وسرعة الاحتراق أو التفكك، وكمية الغبار أو الدخان المتاح للرفع، مدى وضوح “المشروم”.
في بعض الثورات البركانية الانفجارية، تقذف البراكين أعمدة من الرماد والغازات شديدة السخونة إلى الغلاف الجوي. إذا كان العمود قويا بما يكفي، قد يتوسع أعلاه أفقيا مكونا بنية تشبه المشروم.
وحتى من دون انفجار، يمكن لحرائق الغابات الضخمة أن تنتج أعمدة حرارية قوية تولد سحبا تعرف باسم “بايروكومولوس” أو “بايروكومولونيمبوس”. هذه السحب قد تكتسب مظهرا قريبا من المشروم عندما يرتفع عمود الهواء الساخن بسرعة ويتوسع في الأعلى.
في هذه الحالة، المصدر ليس موجة صدمة انفجارية بل إطلاق حراري مستمر وشديد.
حتى 1 مارس/آذار 2026 لا يوجد دليل موثق وموثوق على وقوع تفجير نووي داخل إيران.
أبرز ما يمكن الاستناد إليه هو ما نقلته تقارير عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 28 فبراير/شباط 2026 بأنها لم ترصد أي “أثر إشعاعي” مرتبطا بالضربات الأخيرة، وهو ما يضعف فرضية وقوع انفجار نووي أو حدوث تلوث إشعاعي علني يمكن التقاطه عبر القياسات المعروفة.
عادة ما يخلف التفجير النووي بصمات يصعب إخفاؤها، مثل قرائن إشعاعية أو رصد غازات نبيلة (كالزينون) عبر شبكات المراقبة المنتشرة في الدول المجاورة لمصدر الإشعاع، أو إشارات زلزالية مميزة إذا كان التفجير تحت الأرض، وحتى الآن لا يظهر ما يفيد بوجود مثل هذه المؤشرات.






