تتصاعد وتيرة الانخراط الباكستاني في فضاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في إطار مساع تقودها إسلام أباد لتوظيف موقعها الجيوسياسي الرابط بين جنوب آسيا والشرق الأوسط، والبناء على شبكة علاقاتها المتوازنة نسبيا مع عدد من الفاعلين الإقليميين والدوليين، بهدف تعزيز حضورها ومكانتها على الساحة الدولية.
وقد أتاح هذا التوجه الباكستاني نحو المنطقة هامش مناورة أوسع لصناع القرار في إسلام أباد، وفتح أمامهم فرصا لتعزيز النفوذ السياسي والدبلوماسي دون الانخراط في احتكاكات مباشرة مع تعقيدات التوازنات في جنوب آسيا، ولا سيما في ظل خارطة التوترات المتصاعدة مع كل من الهند وإيران وأفغانستان.
من الحياد إلى الانخراط.. تغير في العقيدة
على مدى عقود، حرصت باكستان على تقديم نفسها بوصفها طرفا محايدا في معادلات الشرق الأوسط، انطلاقا من اعتبارات تتصل بحماية أمنها الداخلي من تداعيات الصراعات الإقليمية، وصون مصالحها الاقتصادية، إلى جانب ضمان سلامة ملايين العمال الباكستانيين المنتشرين في دول الخليج.
غير أن المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة تشير إلى أن هذه المقاربة التقليدية باتت موضع مراجعة، في ظل سعي متزايد لتعزيز المكانة الدولية لباكستان، وتوظيف أدواتها العسكرية والدبلوماسية بصورة أكثر تكاملا.
وفي هذا السياق، برز خلال الأسابيع الماضية نشاط لافت للمؤسسة العسكرية الباكستانية بقيادة المشير عاصم منير، تجسد في سلسلة لقاءات رفيعة المستوى شملت القيادة السعودية، والمشير الليبي المتقاعد خليفة حفتر، والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني في مناسبتين، إضافة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ومسؤولين بارزين من الإمارات.
ويعكس هذا الحراك تحولا تدريجيا في دور إسلام أباد، من مزود تقليدي للأمن إلى فاعل يسعى لتوظيف الدبلوماسية الدفاعية في طرح مقاربات وحلول محتملة لأزمات تمتد من شمال أفريقيا إلى مسارات التهدئة بين إيران ودول الخليج، إضافة إلى القيام بدور الوساطة في اليمن.
وبالتوازي مع ذلك، أصبحت باكستان الشريك العسكري الأبرز لعدد من دول الشرق الأوسط، من بينها السعودية وتركيا والبحرين والعراق والأردن وسلطنة عمان، مع تباين واضح في طبيعة هذه الشراكات ومستوياتها.
فبينما تجمع إسلام أباد والرياض معاهدة دفاع مشترك، تعتمد البحرين وسلطنة عمان بشكل واسع على الكوادر العسكرية الباكستانية، في حين ساعدت باكستان العراق في جهود التصدي لتنظيم داعش، فيما تؤكد تركيا باستمرار مكانة باكستان كحليف استراتيجي.
مؤشرات الانخراط الباكستاني في المنطقة
تعكس جملة من المؤشرات المرتبطة بالحراك الباكستاني في الآونة الأخيرة تحولا لافتا في مقاربة إسلام أباد السياسية والعسكرية تجاه منطقة الشرق الأوسط، بما يوحي بإعادة صياغة جزئية لعقيدتها الإقليمية على المستويين الأمني والدبلوماسي.
صفقات التسليح
وفق ما أوردته وكالة رويترز، تقترب باكستان من إبرام صفقة تسليح كبيرة مع السودان تقدر قيمتها بنحو 1.5 مليار دولار، وذلك بعد تقارير سابقة تحدثت عن صفقة منفصلة بقيمة أربعة مليارات دولار مع الجيش الوطني الليبي.
وتنطوي هذه الصفقات على بعدين رئيسيين:
على الصعيد العسكري، تسعى باكستان إلى تثبيت موقعها كمورد موثوق للسلاح وشريك أمني قادر على لعب دور بديل أو مكمل للقوى الكبرى التقليدية، مستفيدة من تنامي الطلب الإقليمي على التسلح في ظل تصاعد التهديدات وعدم الاستقرار.
أما على الصعيد السياسي، فتعمل إسلام أباد على توظيف هذه الصفقات لتعزيز علاقاتها مع السعودية، وكذلك مع أطراف الصراع في ليبيا والسودان، وتقديم نفسها كشريك جدير بالثقة لأنظمة وحكومات الشرق الأوسط. كما يندرج هذا التوجه ضمن مساعيها لموازنة النفوذ الهندي المتصاعد في المنطقة، ولا سيما بعد نجاح نيودلهي في توسيع حضورها الاقتصادي والأمني خلال السنوات الأخيرة، خصوصا في دول الخليج.
تدشين شبكة تحالفات إقليمية
تشهد العلاقات الباكستانية السعودية مباحثات متقدمة حول اتفاقية تسليح جديدة من شأنها تعزيز معاهدة الدفاع المشترك التي وقعت مؤخرا، بما يعكس عمق الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين الجانبين.
وفي هذا الإطار، تبرز مؤشرات على احتمال انضمام تركيا إلى هذه الترتيبات الدفاعية، الأمر الذي قد يمهد لتشكيل نواة تنسيق أمني ثلاثي سعودي باكستاني تركي يربط بين جنوب آسيا والشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط.
وقد رأى بعض المراقبين أن الصفقة التي أبرمتها إسلام أباد مع خليفة حفتر قد تنعكس سلبا على مستوى العلاقات التركية الباكستانية، غير أن مصادر مقربة من دوائر صنع القرار في أنقرة أكدت أن هذه الصفقة جرت بموافقة تركية مسبقة، في ظل التطور المتزايد في دور تركيا وتعاطيها مع حفتر.
كما أشارت هذه المصادر إلى وجود دور باكستاني في ترتيب لقاءات جمعت نجل حفتر بمسؤولين أتراك خلال زياراته الأخيرة إلى إسلام أباد.
وفي السياق ذاته، تبرز باكستان بوصفها أحد أبرز الشركاء العسكريين لتركيا، ولا سيما في إطار الدعم الذي قدمته أنقرة وباكو خلال المواجهة بين أذربيجان وأرمينيا، فضلا عن كون إسلام أباد شريكا رسميا في تطوير برنامج المقاتلة التركية من الجيل الخامس، بما يعكس عمق التعاون الدفاعي والاستراتيجي بين البلدين.
الوساطة بين طهران وواشنطن
تعد محاولات باكستان للاضطلاع بدور وسيط بين الولايات المتحدة وإيران أحد مكونات استراتيجيتها الإقليمية الأوسع.
ورغم أن هذه الجهود لم تفض إلى اختراقات ملموسة حتى الآن، في ظل تعقيدات العلاقة بين طهران وإسلام أباد، فإنها حظيت بقدر من الترحيب لدى الجانب الأمريكي، الذي ينظر إلى باكستان بوصفها طرفا قادرا نظريا على التواصل مع إيران دون إثارة حساسيات سياسية مفرطة.
دور محتمل في غزة
أبدت باكستان استعدادها للمشاركة في المهمة الدولية المقترحة لتحقيق الاستقرار في قطاع غزة، في خطوة تحمل دلالات سياسية تتجاوز الأبعاد الإنسانية والأمنية المباشرة.
ويتيح هذا الانخراط المحتمل لإسلام أباد تحقيق جملة من الأهداف، من أبرزها تعزيز حضورها الإقليمي في أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدا في الشرق الأوسط، إلى جانب تقوية موقعها الدبلوماسي لدى الولايات المتحدة، ولا سيما في مرحلة تعيد فيها واشنطن ترتيب أولوياتها الإقليمية وتبحث عن شركاء قادرين على الإسهام في إدارة الأزمات دون انخراط عسكري مباشر واسع النطاق.
إدارة استثنائية للمخاطر
تتحرك باكستان في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، إذ تواجه ضغوطا أمنية متصاعدة على امتداد حدودها، ولا سيما على الجبهة الغربية مع أفغانستان والشرقية مع الهند، ما يجعل أي انخراط خارجي إضافي عالي الحساسية ومحاطا بهوامش ضيقة للمناورة.
وفي هذا السياق، يتطلب تمدد إسلام أباد خارج محيطها المباشر قدرة استثنائية على إدارة المخاطر، والتعامل المتوازن مع شبكة متعارضة من الحلفاء، دون الوقوع في فخ الاستقطاب أو الانحيازات المكلفة.
وعليه، يبقى نجاح الدور الباكستاني المتنامي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا رهينا بمدى كفاءة صناع القرار في ضبط هذا الانخراط، وتجنب التورط في صراعات لا تخدم مصالح باكستان الحيوية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على تماسك علاقاتها الإقليمية والدولية، وعدم الإخلال بتوازناتها الداخلية أو حساسيات محيطها الجيوسياسي.








