لا زالت النقاشات داخل أروقة دولة الاحتلال الاسرائيلي جارية بشأن القمة الأخيرة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، وما آلت إليه من نتائج، وفي وقت حساس، حيث تداخلت المصالح الاستراتيجية الأمريكية مع القيود السياسية الإسرائيلية، والعمليات الإقليمية الأوسع.
يوآف كابشوك، رئيس قسم الدراسات متعددة التخصصات في كلية كينيريت الأكاديمية، وخبير في حل النزاعات، والباحث السابق بمركز دراسات الشرق الأوسط بكلية لندن للاقتصاد، ذكر أنه “بالنظر للماضي، يتضح أن هذا الاجتماع لم يكن مجرد اجتماع رمزي، بل كان حوارًا وضع أسسًا مهمة لمواصلة تشكيل الواقع في غزة، وعلاقة الاحتلال بـ”شركائه الإقليميين والدوليين”.
وأضاف في مقال نشره موقع “زمان إسرائيل”، وترجمته “عربي21” أنه “لفهم أهمية الاجتماع، من المهم أولًا النظر لأهداف ترامب، فبالنسبة له، لا تُعدّ المرحلة الثانية من الاتفاق في غزة بندًا تقنيًا في العملية، بل خطوة تُشير للانتقال من وقف إطلاق نار مؤقت إلى إطار عمل طويل الأمد يُرسي نظامًا جديدًا على الأرض.
لذا وبحسب المقال، فأن من وجهة النظر الأمريكية، تكمن أهمية الاجتماع بإنشاء إطار حكومي يملأ الفراغ الذي سينشأ مع ضعف حماس، بجانب إعادة الإعمار الجزئية للبنية التحتية المدنية، وفتح معبر رفح بطريقة مُحكمة”.
كما أشار إلى أن “كل هذه الإجراءات تعتبر أداةً لتعزيز الاستقرار في غزة، والحدّ من خطر تجدد التصعيد، ومع ذلك، حتى وإن قدّم ترامب هذا الأمر كعملية أمنية سياسية، يجب التذكير بأن العلاقات بين الولايات المتحدة ودول الخليج تقوم أيضاً إلى حدّ كبير على مصالح اقتصادية واسعة، ولذلك، تتوقع هذه الدول عملية إعادة إعمار حقيقية في غزة، لأسباب داخلية، وكجزء من تعميق التعاون مع واشنطن”.
كما أكد كابشوك، أنه “في الوقت نفسه، هناك دافع سياسي شخصي لدى ترامب، الذي يرى في وقف إطلاق النار إنجازاً دبلوماسياً هاماً، ونظراً لصعوبة التوصل إلى حلّ في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، يصبح ترسيخ هذا الإنجاز في غزة ذا أهمية خاصة بالنسبة له.
ولكن بينما ينظر ترامب إلى غزة كساحة يمكن “استقرارها” من خلال خطة تدريجية، وصل نتنياهو هناك مقيداً باحتياجات سياسية متضاربة”، وشرح قائلا إن “معارضة شركاء نتنياهو في الائتلاف، بقيادة بيتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، لأي خطوة يمكن تفسيرها على أنها تنازل عن أدوات النفوذ المستقبلية في غزة، تُلقي بظلالها على أي قرار،
ومع ذلك، فإن الضغط المباشر من ترامب، والأهمية التي يوليها نتنياهو للعلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة يُضيّقان هامش مناورته، وفي مثل هذه الحالات، تُظهر التجارب السابقة أن دولة الاحتلال تميل لاتخاذ خطوات مؤقتة حذرة، لكنها في نهاية المطاف تتحرك في الاتجاه الذي يتطلبه حليفها الرئيسي”.
وأوضح أنه “من أجل تمكين هذا التحرك دون دفع الثمن السياسي الكامل في الداخل، قد يحتاج نتنياهو إلى “تعويض” يُقدّم كإنجاز في ساحة أخرى، وهي إيران، ويُمكن تقدير أن نتنياهو سعى لاستمرارية نظام العقوبات ضد طهران، بل وحتى تشديده، أو بديلًا عن ذلك، إلى تفهّم أمريكي للعمل العسكري، إذا لزم الأمر، وفي هذا السياق، يعود مبدأ “الأخذ والعطاء” المألوف في السياسة الدولية للظهور”.
وأشار أن “استعداد الاحتلال للتقدم في المرحلة الثانية في غزة سيسمح لنتنياهو بعرض إنجازات في الساحة الإيرانية أيضًا، وبالتالي تقديم التقدم في غزة ليس كتنازل، بل كجزء من موازنة الإنجازات.
وبجانب كل هذا، لا تزال محاكمة نتنياهو وتدخل ترامب العلني في القضية، وإن لم يكونا في صميم الأجندة الرسمية، يُلقيان بظلالهما على المشهد الاسرائيلي، وقد تؤثر هذه العوامل على الديناميكيات الشخصية بين الطرفين، وعلى استعداد ترامب لممارسة الضغط على نتنياهو، أو إبداء المرونة معه”.
وختم يوآف كابشوك بالقول، إن “الضغوط الدولية، والمصالح الإقليمية، والعلاقات الشخصية مجتمعةً، قد تقرر نتائج الاجتماع، ويُستنتج من ذلك أن المرحلة الثانية ستنطلق بالفعل، وإن كان ذلك تدريجيًا، وبحذر”.
مضيفًا، “كل ذلك يمكن أن يجري مع محاولة الموازنة بين المطالب الأمريكية، والقيود السياسية في دولة الاحتلال، مع أهمية الحذر من التسرع باستخلاص النتائج، فالأفعال هي الفيصل، مع أنه في عصرنا الحالي، خاصةً مع ترامب، غالبًا ما تكون التصريحات مجرد لغة للعلاقات العامة، وإشارات، وتأطير سياسي، وليست سجلًا موثوقًا لما تم الاتفاق عليه فعليًا”.
يمكن الإشارة إلى أن الأيام الأخيرة التي تلت قمة ترامب- نتنياهو، يكمن فيها الاختبار الوحيد في ما إذا كان الأخير سيكبح جماح شركائه، ويتماشى مع المصلحة الأمريكية في الاستقرار، أم سيغامر مجددًا بالتصعيد لتغيير الخطاب على أرضه.







