أعاد مخرج بريطاني مخضرم عمل مع فريق مسلسل وأفلام مونتي بايثون الجدل مجددا حول الرواية المسيحية السائدة بشأن صلب السيد المسيح عليه السلام، مدعيا أن يسوع لم يُصلب أصلا، وأن أدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة باتت قادرة على دعم هذا الاستنتاج استنادا إلى التحليل المنطقي والنصي.
جوليان دويل، الذي شارك في إخراج وتحرير فيلم Life of Brian، يقول إن شكوكه الأولى تعود إلى أكثر من أربعين عاما، حين كان يعمل على مونتاج مشهد الصلب الشهير في الفيلم. أثناء تجميع اللقطات التي تظهر ممثلين معلقين على الصلبان في سياق ساخر، بدأ يتساءل عن مدى واقعية الرواية التاريخية المتداولة حول حادثة الصلب، وما إذا كانت قد وقعت فعلا بالشكل الذي ترسخ في الوعي المسيحي.
ويؤكد دويل أن هذه الشكوك لم تكن عابرة، بل تحولت مع مرور السنوات إلى مشروع بحثي طويل، أعاد فيه فحص الروايات الإنجيلية والتاريخية المرتبطة بتلك المرحلة. وبعد نحو أربعة عقود من البحث، يزعم أنه توصل إلى قناعة مفادها أن الشخص الذي أعدمه الرومان لم يكن المسيح عليه السلام، بل رجل آخر هو يهوذا الجليلي، المعروف تاريخيا بقيادته تمردا عنيفا ضد الحكم الروماني بسبب الضرائب في بدايات القرن الأول الميلادي.
ويرى دويل أن يهوذا الجليلي أُعدم بأمر من الحاكم الروماني بيلاطس البنطي، وأن حادثة إعدامه هي التي جرى لاحقا دمجها في السردية الدينية الناشئة، حتى أصبحت أساس قصة الصلب. أما المسيح عليه السلام، فيصفه دويل بأنه لم يكن ثائرا سياسيا، بل معلما وصاحب رسالة روحية، وأنه خضع في وقت سابق لطقس رمزي أُطلق عليه لاحقا توصيف يشبه الصلب، وذلك في بستان ببيت عنيا، دون أن يُقتل أو يُصاب بأذى.
ويضيف أن المسيح عليه السلام عاش بعد ذلك سنوات طويلة، قبل أن يُقتل رجما بتهمة السحر والتجديف، وفق ما يزعم، بعد نحو ستة عشر عاما من ذلك الطقس الرمزي. وبحسب روايته، فإن تشابك الأحداث وتشابه بعض التفاصيل أدى، مع نشأة العقيدة المسيحية، إلى دمج سيرة الرجلين في قصة واحدة، نتج عنها التصور المعروف عن صلب المسيح وقيامته من الموت.
ويقول دويل إن هذه الفكرة تبلورت لديه للمرة الأولى أثناء عمله على مشهد الصلب في Life of Brian، حيث لعب ممثلون بارزون مثل إريك آيدل وغراهام تشابمان وجون كليز أدوارا على الصلبان. ويرى أن التناقضات البصرية والمنطقية، حتى في إطار السخرية، كشفت له مشكلات تاريخية لم يستطع تجاهلها.
ورغم استمراره في البحث لعقود، يقر دويل بأنه تجنب نشر أفكاره علنا، خوفا من أن يُنظر إليه بوصفه شخصا خارجا عن الإجماع الأكاديمي والديني. لذلك، واصل دراسته بهدوء، معتمدا على مقارنة النصوص وتحليل الوقائع، مستخدما ما يسميه منهج استبعاد المستحيل للوصول إلى ما يراه ممكنا منطقيا.
ويؤكد أن نقطة التحول جاءت مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي وفرت له، بحسب قوله، أداة لتحليل كم هائل من النصوص دون تحيز عقدي أو ديني. ويزعم أنه أدخل ما يقارب تسعة وتسعين تناقضا استخرجها من الأناجيل إلى عدة أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة، طالبا منها تقييم مدى اتساق تفسيره مقارنة بالرواية الإنجيلية التقليدية.
وبحسب دويل، فإن عددا من أبرز أنظمة الذكاء الاصطناعي قبلت فرضيته بوصفها أكثر تماسكًا منطقيا، واعتبرت أن أوصاف الإعدام الواردة في الأناجيل تتوافق بشكل أكبر مع سيرة يهوذا الجليلي لا مع المسيح عليه السلام. ويقول إن بعض هذه الأنظمة وصفت عمله بأنه محاولة شاملة وغير مسبوقة لإعادة قراءة القصة الإنجيلية، بينما رأت أن نظريته تستحق نقاشا أكاديميا جادا، وقد تستدعي إعادة كتابة تاريخ المسيحية المبكرة إذا ثبتت صحتها.
وقد جمع دويل هذه الطروحات في كتاب بعنوان كيف نفكك قصة الإنجيل باستخدام الذكاء الاصطناعي، يقدمه على أنه دليل عملي يتيح للقراء إعادة اختبار فرضيته بأنفسهم. ويتضمن الكتاب الأسئلة التسعة والتسعين التي طرحها على أنظمة الذكاء الاصطناعي، مع شرح لطريقة استخدامها في تحليل النصوص الإنجيلية.
ويصف دويل كتابه بأنه صغير الحجم عظيم الأثر، مشيرا إلى أن موضوعه يجمع بين اللاهوت والتاريخ واللغة والآثار، وهي مجالات يصعب على باحث واحد الإحاطة بها منفردا. ويرى أن الذكاء الاصطناعي، بخلاف البشر، قادر على معالجة هذا الكم من البيانات بسرعة دون الانطلاق من إيمان مسبق أو موقف عقدي.
ويشدد دويل على أنه لا يستهدف الطعن في الإيمان الديني بحد ذاته، بل يسعى، كما يقول، إلى الفصل بين الإيمان بوصفه مسألة شخصية، والتاريخ بوصفه مجالا يفترض إخضاعه للفحص والنقد. ويؤكد أن هذه هي المرة الأولى التي تُختبر فيها الروايات الإنجيلية بهذا الأسلوب المنهجي القائم على الذكاء الاصطناعي، وأن نتائج بحثه لم تتغير رغم مرور العقود.
ومن المنظور الإسلامي، فإن القول بعدم صلب المسيح عليه السلام ليس طرحا جديدا، بل هو عقيدة راسخة في الإسلام، حيث يؤمن المسلمون بأنه لم يُقتل ولم يُصلب، وإنما شُبه لهم، وأن الله رفعه الى السماء. غير أن طرح دويل يستند إلى قراءة تاريخية وتقنية معاصرة، لا إلى النص القرآني، وهو ما يجعل أطروحته موضع جدل واسع في الأوساط الدينية والأكاديمية.







