اختلف العلماء في اسم ذي القرنين على أقوالٍ كثيرة، فذهب بعضهم إلى أن اسمه عبد الله، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال ابن عباس: اسمه عبد الله بن الضحاك.
وقال وهب بن منبه إنه الإسكندر، وقيل هو الإسكندر بن قيصر، وهو أول القياصرة. وقال آخرون: بل هو عياش كما ذكر محمد بن علي بن الحسين، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة إنه الصعب بن جاثر بن القلمس.
وروى ابن إسحاق عن بعض رواة الأعاجم أن ذا القرنين كان رجلاً من أهل مصر اسمه مرزبان بن مرذبة اليوناني من نسل يونان بن يافث بن نوح عليه السلام، وقال ابن هشام: اسمه الإسكندر، وهو الذي بنى الإسكندرية فنسبت إليه. وذكر ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ سُئل عنه فقال: «ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب».
وقال بعضهم إنه مصعب بن عبد الله بن قنان بن منصور بن عبد الله بن الأزد بن غوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن قحطان، وجاء في بعض الروايات أنه من حمير، وأمه رومية، وكان يُلقب بـ ابن الفيلسوف لعقله وحكمته.
وقال بعض أهل الأخبار: إن اسمه هرمس بن فيطون بن رومي بن لنطي بن كسلوجين بن يونان بن يافث بن نوح. بينما رأى إسحاق بن بشر أن الإسكندر هو ذو القرنين، وأبوه أول القياصرة من نسل سام بن نوح عليه السلام.
أما ذو القرنين الثاني فهو الإسكندر بن فيليبس بن مضريم بن هرمس بن هردس بن ميطون بن رومي بن لنطي بن يونان بن يافث، وهو المقدوني اليوناني المصري باني الإسكندرية الذي عاش قبل المسيح عليه السلام بنحو ثلاثمائة سنة، وكان وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف.
وقد فرّق العلماء بين الرجلين، فالأول ملك صالح مؤمن وزيره الخضر عليه السلام، والثاني ملك مشرك وزيره فيلسوف، وبينهما أكثر من ألفي سنة، ولذلك لا يجوز الخلط بينهما كما يفعل الجاهلون.
أما سبب تسميته بـ ذي القرنين، فقد وردت فيه عشرة أقوال:
فقيل لأنه ضُرب على قرنيه حين دعا قومه إلى الله فهلك، ثم بعثه الله فدعاهم فضُرب ثانية فمات، فسمي بذي القرنين.
وقيل لأنه بلغ مغرب الشمس ومطلعها فسار إلى طرفي الأرض، وقيل لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس، وقيل لأنه رأى في المنام أنه أخذ بقرني الشمس، وقيل لأنه ملك فارس والروم، وقيل لأن له غديرتين من شعر، والعرب تسمي الضفيرتين قرنين، وقيل لأنه كريم الطرفين من نسبٍ شريفٍ، وقيل لأنه انقرض في زمانه قرنان من الناس، وقيل لأنه سلك الظلمة والنور.
قال مجاهد: ملك الأرض أربعة، مؤمنان وكافران؛ المؤمنان سليمان بن داود وذو القرنين، والكافران نمرود وبخت نصر.
وقال أبو الحسين أحمد بن جعفر: إن ذا القرنين أحد أعظم ملوك الأرض، آتاه الله التوحيد والطاعة والعقل، وسخّر له الأسباب، وأعانه على أعدائه، ففتح المدائن والحصون، وغلب الرجال، وعمّر البلاد، وبنى السد العظيم بين الناس وبين يأجوج ومأجوج رحمةً للمؤمنين، وحمايةً من الفساد الذي لا طاقة لهم به.
ورُوي أن ذا القرنين كان له خليل من الملائكة اسمه رفائيل، يزوره ويتحدث معه. فسأله ذو القرنين يومًا عن عبادة الملائكة في السماء، فبكى رفائيل وقال: إن في السماء من هو قائم لا يجلس، وساجد لا يرفع رأسه، وراكع لا ينتصب أبدًا، وهم يقولون: سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح.
فبكى ذو القرنين وقال: إني أحب أن أعيش لأبلغ من عبادة ربي حق طاعته. فقال له رفائيل: إن لله في الأرض عينًا تُسمى عين الحياة، من شرب منها لا يموت حتى يسأل الله الموت.
فجمع ذو القرنين العلماء وسألهم عنها فلم يجدوا خبرًا إلا من عالمٍ يُدعى أفشنجير أخبره أنه قرأ في وصية آدم أن الله وضع في الأرض ظلمة لا يطؤها إنس ولا جان، وأن عين الحياة فيها. فجمع ذو القرنين جيوشه وسار نحو المشرق اثنتي عشرة سنة حتى بلغ طرف الظلمة، فسار فيها ومعه الخضر عليه السلام على رأس جيشٍ من ستة آلاف فارس.
وسار الخضر أمامه حتى وجد عين الحياة في وادٍ داخل الظلمة، فشرب منها واغتسل دون أن يعلم ذو القرنين، ففاته الخلود، وبقي الخضر حيًا إلى اليوم بإذن الله.
وبعد مسيره في الظلمة، وصل إلى أرضٍ حمراء فيها قصر عظيم بلا باب، فدخل فإذا بطائرٍ أسود معلّقٍ بين السماء والأرض يسأله عن حال الناس، فقال له: هل كثرت شهادة الزور والمعازف في الأرض؟ فلما أجاب بـ«نعم»، انتفخ الطائر حتى سدّ القصر، ثم سأله عن التوحيد والصلاة، فلما أجاب بالإيجاب انكمش الطائر وقال: الساعة اقتربت.
ثم مضى ذو القرنين فبنى السد العظيم من الحديد والنحاس بين جبلين عظيمين لمنع فساد يأجوج ومأجوج.
ويُقال إن بناءه كان معجزة في إحكامه، إذ صبّ الحديد المذاب فوق النار حتى صار كالحجر الصلب، وجعل فوقه شرفاتٍ من الحديد، فصار كجبلٍ لا يُنقَب ولا يُرتقى.
وقد وصف سلام الترجمان السد في رحلته التي بعثه فيها الخليفة الواثق بالله، فرأى بابًا من حديد مصراعاه خمسون ذراعًا في خمسين، عليه قفل ضخم من النحاس، وحوله أقوام مسلمون يتكلمون العربية والفارسية، يقرؤون القرآن، ويحرسون الباب، ويضربونه بالمطارق الحديدية كل جمعة ليُعلموا أن الحراسة قائمة، وأن السد لم يُمسّ.
كما ذكر أنهم يسمعون من وراء السد ضجيج يأجوج ومأجوج في بعض الليالي.
ولما فرغ ذو القرنين من أمر السد، عاد إلى البلاد حتى نزل بابل، فمرض مرضًا شديدًا، فدعا كاتبه وقال له: اكتب رسالة إلى أمي رقية تعزيها عني.
فكتب إليها يقول: يا أمي، ألم تري كيف تذبل الأشجار وتزول الثمار وتغيب الشمس بعد إشراقها؟ كذلك الإنسان، يولد ليموت، وما الدنيا إلا دار فناء. إن الموت لا يعتقني لأني كنت عالمًا أنه آتٍ، فلا تبكي عليّ، وارضِ بقضاء الله، فإن ما أذهب إليه خير مما أنا فيه.
ومات ذو القرنين وهو على أرضٍ من حديد وتحت سماءٍ من خشب كما أُوحي إليه.
واختلفت الروايات في عمره، فقيل عاش ثلاثة آلاف سنة، وقيل ألفًا وستمائة سنة، وقيل ستة وثلاثين سنة وهو عمر الإسكندر المقدوني.
وكان ملكه أربع عشرة سنة، بنى خلالها مدنًا عظيمة مثل أصبهان، مرو، سمرقند، هراة، والإسكندرية، وقتل دارا ملك الفرس في السنة الثالثة من حكمه.
ولما مات اجتمع الحكماء حول تابوته، فقال كبيرهم: أصبح آسر الأسراء أسيرًا. وقال آخر: هذا الذي كان يجمع الذهب، فقد صار الذهب يخبؤه. وقال آخر: ما أزهد الناس في جسده، وما أرغبهم في تابوته.
وقال بعضهم: قد كنت لنا واعظًا، فما وعظتنا موعظة أبلغ من وفاتك.
وقالت أمه حين بلغها موته: يا ذا الذي دانت له الملوك، ما لك اليوم ساكتًا لا تتكلم؟ من بلغني عنك بأنك وعظتني فاتعظت؟ فعليك السلام حيًا وميتًا.









Comments 1