وُجد على مر العصور بعض العلماء الذين كان لهم دور أساسي وكبير في علم من علوم الشريعة، بل زادت شهرة بعضهم إلى أن صار لاسمه اقتران مع الفن الذي انشغل به، فصار إذا ذُكر العلم ذُكر فلان العالم به، ومن هؤلاء العلماء الذين كان لهم الأثر الكبير في علم السُّنة النبوية ونشرها وحفظها وتدوينها الإمام محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، وكان يكنَّى بأبي بكر، ويعرف بالزهري، كما يعرف بابن شهاب نسبةً إلى جد جده شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة، وإذا أطلق العلماء لفظ الزهري أو لفظ ابن شهاب، فلا ينصرف هذان اللفظان إلا إليه لغلبتهما عليه دون غيره.
وُلد الإمام الزهري في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تكن سَنة ولادته معلومة على وجه التحديد، وقد اختلف العلماء في تحديدها، ورجح الدكتور حارث سليمان الضاري أن سنة ولادته كانت 51 من الهجرة في خلافة معاوية، رضي الله عنه.
نشأ الإمام الزهري في المدينة المنورة بعد ولادته فيها، وكانت المدينة محط أنظار طلاب العلم وعشاق المعرفة الذين وفدوا إليها من كل حدب وصوب، والزهري من التابعين الأفذاذ، وقد بدأ طلبه للعلم مبكراً، وكان أول شيء اتجه إليه القرآن الكريم، فحفظ القرآن في 80 ليلة، وتعلم علم الأنساب ثم السنة المطهرة، ومعرفة الحلال والحرام، وكان إذا فرغ من تلقي العلم عن أساتذته يستعيد ما تلقاه منهم، ويتذكر ما رواه عنهم رغبة في جمعه وحفظه، وخوفاً من ضياعه ونسيانه.
كما روي عن جعفر بن ربيعة: أنه قال: قلت لعراك بن مالك: من أفقه أهل المدينة؟ قال: أما أعلمهم بقضايا رسول الله، وقضايا أبي بكر وعمر وعثمان، وأفقههم فقهاً بما مضى عن أحوال الناس: سعيد بن المسيب، وأما أغزرهم حديثاً، فعروة، ولا تشأ أن تفجر من عبيد الله بن عبد الله بحراً إلا فجرته، وأعلمهم عندي جميعاً: ابن شهاب، فإنه جمع علمهم جميعاً إلى علمه.
قال مالك بن أنس: بقي ابن شهاب وما له في الناس نظير، وقال الأوزاعي: ما أدهن ابن شهاب لملك قط دخل عليه، ولا أدرك أحد خلافة هشام من التابعين أفقه منه، وقال الشافعي: لولا الزهري ذهبت السنن من المدينة، وقال أحمد: الزهري أحسن الناس حديثاً، وأجود الناس إسناداً، وقال علي بن المديني: أعلم الناس بقول الفقهاء السبعة الزهري.
حثه على حفظ السنة وتعلمها: روي عن مالك بن أنس أنه قال: حدث الزهري بمئة حديث، ثم التفت إليَّ، فقال: كم حفظت يا مالك؟ قلت: أربعين. فوضع يده على جبهته ثم قال: إنا لله كيف نقص الحفظ.
حثه على التمسك بالسنة والتأدب بآدابها: قال الزهري: الاعتصام بالسنة نجاة، وعن الأوزاعي عن الزهري قال: كان من مضى من علمائنا يقول: الاعتصام بالسنة نجاة، والعلم يقبض قبضاً سريعاً، فبعز العلم ثبات الدين والدنيا، وفي ذهاب العلم ذهاب ذلك كله.
ما يراه في كيفية طلبها: لكي تكون مهمة تعلم السنة وتعليمها يسيرة ناجحة، يرى الإمام الزهري ما يلي:
التدرج في أخذها شيئاً فشيئاً، وحديثاً بعد حديث، وألا يهجم عليها الطالب مرة واحدة لئلا تزدحم عليه المعلومات فتثقله وتؤدي به إلى الملل، فيفوته بذلك شيء كثير.
أن يسعى الطلاب إلى العلماء، ولا يسعى العلماء إلى بيوت الطلاب والمتعلمين، لما يترتب على سعي العلماء إليهم من هوان العلم وذلته، روي عن مالك أنه قال: سمعت الزهري يقول: هوان العلم وذله أن يحمله العالم إلى بيت المتعلم.
كراهته طول المجلس، فقد كان يحذر من طول مجلس العلم وغيره، لما قد يؤدي إليه طوله من السأم والملل، أو الخوض فيما لا فائدة فيه. فقد قال: إذا طال المجلس كان للشيطان فيه حظ ونصيب.
توجيهه إلى ما قد يساعد استعماله أو تركه على الحفظ والتذكر من المطعومات: فقد قال الزهري: من سره أن يحفظ الحديث فليأكل الزبيب. وكان يشرب العسل ويقول: إنه يذكر. وعنه قال: ما أكلت تفاحاً، ولا أكلت خلا منذ عالجت الحفظ.
وقد مر الأوزاعي بقبره يوماً، فوقف عليه وقال: يا قبر كم فيك من علم ومن حكم، يا قبر، كم فيك من علم ومن كرم، وكم جمعت روايات وأحكاماً. تغمده الله برحمته وجزاه عن الإسلام والسنة النبوية خير ما يجزي به العلماء العاملين.








