من المسلم به أن هناك روابط تاريخية وثقافية وحضارية عميقة تربط إسبانيا بالعالم العربي الإسلامي، تمتد أكثر من 2500 عام. وتُعد الأندلس محور هذه العلاقة المتجذرة، إذ تمثل نقطة التقاء حضاري شكّل الهوية المشتركة لكلا الطرفين.
يضع هذا الإرث الفريد إسبانيا في موقع استثنائي مقارنة ببقية الدول الأوروبية التي لم تشهد تفاعلًا مباشرًا ومستدامًا مع العرب والإسلام.
وإذا طُلب منا تلخيص هذه العلاقة في كلمة واحدة، فلن نجد أفضل من “الأندلس” بكل ما تحمله من دلالات تاريخية وأبعاد ثقافية لا تزال تثير الجدل والانقسام في الأوساط الإسبانية. فالذاكرة الأندلسية تحضر بقوة في كل نقاش حول الثقافة العربية في إسبانيا، حيث تحاول بعض الجهات استدعاء “القضية الأندلسية” عند مناقشة القضايا الراهنة المتعلقة بالعرب والإسلام، لتقييم التجربة الأندلسية وفق معايير معاصرة، من دون أخذ سياقها التاريخي بالاعتبار.
شهدت العلاقات الإسبانية العربية مراحل متباينة بين التصادم والحوار، لا سيما بعد سقوط الأندلس في القرن الخامس عشر. فقد كان لهذه القضية تأثير عميق على مسار هذه العلاقة، سواء خلال المواجهات بين إسبانيا والإمبراطورية العثمانية في البحر الأبيض المتوسط خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، أو في التفاعلات اللاحقة مع دول المغرب العربي. كما لعبت الكنيسة الكاثوليكية الإسبانية دورًا محوريا في إنهاء الوجود الإسلامي في الأندلس، بدءًا بترحيل اليهود ثم فرض قوانين مجحفة على المسلمين، وصولًا إلى الطرد النهائي للموريسكيين عام 1615.

أدت هذه التناقضات إلى “أدلجة” النقاش حول الأندلس، مما جعل تحليل الثقافة العربية في إسبانيا مسألة شائكة تخضع لتأويلات متضاربة، يغيب عنها المنهج العلمي الموضوعي. ويبرز التسامح والتعايش بين الأديان في ظل الحكم الإسلامي كإحدى القضايا المحورية في هذا الجدل، حيث قدمت بعض المبادرات صورة مثالية عن الأندلس باعتبارها نموذجًا “للحضارات الثلاث” -الإسلامية والمسيحية واليهودية- التي يُقال إنها ساهمت بشكل متساوٍ في بناء الحضارة الأندلسية.
في هذا السياق، ظهرت أطروحات تدّعي أن المسيحيين واليهود كانوا شركاء في إدارة الدولة الأندلسية، وأن الإنجازات الحضارية الكبرى تُعزى إلى مساهمات شخصيات وتيارات غير إسلامية. ورغم أن بعض الباحثين يربطون هذا التوجه بالسعي لتعزيز البعد المسيحي في الهوية الإسبانية، فإن هذه الرواية تتجاهل الواقع التاريخي. فالمصادر الأندلسية والعربية والمسيحية لم تشر إلى دور محوري لليهود في المجال السياسي أو الاجتماعي، إذ كانوا يعيشون في الأندلس كمجتمع منعزل يركز على شؤونه الاقتصادية، من دون أن يكون لهم تأثير يُذكر في رسم سياسات الدولة أو تشكيل مسارها الحضاري.
منذ سنوات قليلة، برزت محاولات متزايدة لإقناع البلديات والجهات الحكومية الإسبانية بضرورة “إحياء التراث اليهودي” تحت ذريعة إعادة الاعتبار لما يُعرف “بأبناء سفاراد” (يهود الأندلس) ودورهم في تشكيل الهوية الإسبانية الحديثة. وتحت هذا العنوان، تدفع بعض الجهات، بدعم من “اللوبي الداعم لإسرائيل”، نحو إعادة قراءة التاريخ الأندلسي برؤية تُسلط الضوء على الوجود اليهودي، في حين يجري تهميش الهوية الإسلامية للمدن الأندلسية، رغم أن معظم المعالم والبقايا الأثرية تشهد بوضوح على الطابع العربي الإسلامي لهذه الحواضر.
وقد أصبح من المألوف أن يصادف الزائر إلى المدن الأندلسية القديمة لافتات وإعلانات سياحية وتصريحات لمسؤولين محليين تتحدث بإسهاب عن “استثنائية” العنصر اليهودي، في حين يجري التقليل من الإرث الإسلامي لهذه المدن. والأمر لا يقتصر على الخطاب الرسمي فحسب، بل يمتد إلى الإهمال المتعمد للآثار الإسلامية الذي أدى إلى تدهور بعضها بسبب غياب الصيانة، بينما تُرمم بعض المواقع التي يُنسب إليها طابع يهودي رغم محدوديتها من حيث العدد والتأثير التاريخي.
ورغم أن اسم Cáceres نفسه مشتق من الاسم العربي “قاصرش” (مشتق من كلمة “قصر”)، فإن البلدية المحلية تضع لافتات وإشارات توجه الزوار إلى ما يُسمى “بالمعالم اليهودية”، في حين تُترك المعالم الإسلامية عرضة للإهمال أو يُعاد استخدامها من دون الإشارة إلى أصلها الإسلامي. ويلاحظ الزوار غياب أي جهد لتعريف السياح بالتاريخ العربي للمدينة، مقابل الترويج الكثيف لرواية “الحارة اليهودية” و”الإرث السفاردي”.

ونتيجة لذلك، باتت الأحزاب اليمينية الإسبانية التي كانت ترفض سابقًا الاعتراف بأي دور يهودي في أوروبا من أشد المناصرين لإبراز العنصر اليهودي في سردية الأندلس، في الوقت الذي تتصاعد فيه حملات الإسلاموفوبيا في القارة الأوروبية.
حمل هذا الخطاب هجوما عنيفا شنه أحد رموز هذا التيار التهويدي مؤخرًا على الأستاذ جرجس ليرولا والجمعيات الأهلية التي تدافع عن الإرث الأندلسي، وذلك في رسالة نشرتها صحيفة “لا تريبونا” الصادرة في ألميريا. هاجم كاتب المقال دعوات الأستاذ ليرولا لسحب اللافتات والإعلانات التي نصبتها بلدية المدينة في بعض الشوارع الرئيسية، والتي تزعم أن هذه الأماكن كانت أزقة للحارة اليهودية أو مواقع لمعابد عبرية، رغم غياب أي دليل تاريخي أو أثري يؤكد هذه الادعاءات. لهذا تركّز موقف الجمعيات المدافعة عن الإرث الأندلسي على ضرورة إعادة النظر في هذه الممارسات، وحماية الذاكرة التاريخية للمدينة من التزييف المتعمد.
وأصبحت إستراتيجية “معاداة السامية” مكررة ومكشوفة، إذ يستخدمها اللوبي الصهيوني عالميا لإسكات أي أصوات تنتقد سياسات إسرائيل أو تعترض على محاولات إعادة كتابة التاريخ وفق مصالح ضيقة. ففي كل مرة يُثار فيها الجدل حول الروايات التاريخية، تسارع هذه الجهات إلى شيطنة المعارضين، مستخدمة سلاح “معاداة السامية” لإسكات أي جدل أكاديمي أو موضوعي.

ومن اللافت أن صاحب مقال صحيفة “لا تريبونا”، كارميلو لوبيث كاريكي، الذي يترأس جمعية تُعنى “بالترويج للثقافة السفاردية”، يرتبط بعلاقات وثيقة مع السلطات المحلية في ألميريا. كذلك فإن منظمته، إلى جانب مؤسسات أخرى تنشط في مجال “إحياء التراث اليهودي”، تتلقى تمويلًا مباشرًا وغير مباشر من جهات إسرائيلية ومنظمات ضغط مرتبطة بها في أوروبا. ويعكس هذا التمويل مدى التداخل بين الأجندات الثقافية والسياسية، إذ يجري استغلال الإرث الأندلسي كأداة لخدمة مصالح معينة، بعيدًا عن الحقائق التاريخية.
ويتكرر هذا النهج في العديد من الكتابات، حيث يسعى أصحاب هذا التوجه إلى التركيز على حقبة الموحدين، واتهامهم باضطهاد اليهود وتدمير أحيائهم في المدن الأندلسية مثل ألميريا. ويستغل كاريكي هذه النقطة ليصوّر الموحدين على أنهم “أصوليون متعصبون”، في محاولة لخلق رابط ضمني بين الإسلام في الماضي والحركات الأصولية الحديثة، وهو خطاب يتبناه اليمين المتطرف الأوروبي لتبرير سياساته المناهضة للمسلمين في أوروبا اليوم.
إن هذا التلاعب بالتاريخ ليس مجرد جدل أكاديمي، بل يحمل أبعادًا سياسية واضحة. فكثير من المدافعين عن فكرة “سفاراد” -وهو المصطلح الذي يستخدم للإشارة إلى اليهود الأندلسيين- ينشطون في دوائر سياسية وإعلامية تعمل بشكل ممنهج على تشويه الرواية التاريخية، بهدف ترسيخ خطاب يخدم أجندات محددة. وأحد الأساليب التي يعتمدونها هي المقارنة المضللة بين معارضي التهويد المطلق للتركة الأندلسية وبين “أبناء محاكم التفتيش”، كأن الدعوة إلى مراجعة الروايات التاريخية تعادل تأييد جرائم النازية ومحاكم التفتيش في العصور الوسطى.
إن هذه المحاولات لإعادة رسم التاريخ وفق رؤية أحادية يجب أن تواجه برد علمي وأكاديمي يستند إلى الحقائق والوثائق، وليس إلى الأيديولوجيا والمصالح السياسية. فالحفاظ على الهوية الأندلسية لا يعني إقصاء أي مكون تاريخي، ولكنه يقتضي عرض الحقيقة التاريخية كما هي من دون مبالغات أو إسقاطات أيديولوجية.
لا شك أن هذه المحاولات المستمرة لإعادة صياغة التاريخ الأندلسي تنطلق من رؤية تهدف إلى طمس الطابع الإسلامي للحضارة الأندلسية، بل يمكن القول إن التهويد الثقافي للأندلس ليس سوى مرادف مباشر لهذا التهميش الممنهج. فمن خلال تضخيم إسهامات الثقافات غير الإسلامية، يُراد إيصال رسالة إلى المواطن الإسباني والأوروبي مفادها أن ما قدمته الأندلس من إنجازات حضارية هو في جوهره ثمرة لعطاء غير المسلمين، متجاهلين الدور المركزي الذي لعبته الحضارة الإسلامية في هذه النهضة.
ورغم هذا التوجه السائد، فإن هناك مبادرات متواضعة تحاول التصدي لهذا التزييف، مثل جمعية “أصدقاء القصبة” في ألميريا، إلى جانب عدد من الجمعيات المنتشرة في مدن أندلسية أخرى. ورغم أن هذه الجمعيات لا تحظى بتمويل يُذكر، فإنها تبذل جهودًا كبيرة للحفاظ على الإرث الإسلامي في الأندلس ومواجهة حملات التحريف والتهميش.
وفي حالة ألميريا، لا تسعى الأصوات المناهضة للتهويد المفرط إلى إقصاء أي طرف، بل تطالب فقط بإنصاف جميع المكونات الثقافية التي شكلت الحضارة الأندلسية من دون مبالغة أو تهميش لأي طرف على حساب الآخر.
وفي هذا السياق، ردّ الأستاذ جرجس ليرولا على مزاعم ممثل الجماعة التهويدية عبر رسالة نشرتها الصحيفة ذاتها، داحضًا الادعاءات التي حاولت تحميل المسلمين مسؤولية اضطهاد اليهود، مؤكدًا أن معاناة اليهود في إسبانيا لم تبدأ مع الحكام المسلمين، بل مع الملوك النصارى الذين أجبروهم جميعًا على الرحيل عام 1492.
أما في ما يخص ألميريا تحديدًا، فقد فنّد ليرولا الادعاءات القائلة إن الموحدين القادمين من جنوب المغرب قد دمروا أحياء اليهود وممتلكاتهم في عام 1157، موضحًا أن الدمار الذي لحق بمساكن اليهود القريبة من الميناء وقع عام 1147 إثر اجتياح أسطول الجنويين (من إيطاليا) وسفن مملكة آراغون (شمال شرق إسبانيا).
ويشير ليرولا إلى أن الحكام المسلمين لم يجبروا اليهود على العيش في مناطق منفصلة، بل إن اليهود أنفسهم كانوا يميلون إلى التجمع في أماكن محددة لأسباب اجتماعية ومهنية. أما العزل القسري لليهود في أحياء مغلقة بأسوار وبوابات، فقد كان سياسة فرضها ملوك قشتالة وآراغون بعد سيطرتهم على المدن الأندلسية، وليس جزءًا من السياسة الإسلامية.
لكن هذه الحقائق لا تهمّ دعاة التهويد الثقافي، لأنهم لا ينطلقون من اعتبارات علمية، بل يسعون إلى تحقيق أهداف أيديولوجية تتجاوز حدود البحث الأكاديمي. فالهدف ليس فقط إعادة تأطير تاريخ الأندلس، بل إعادة توجيه الوعي الأوروبي نحو رؤية تلغي الدور الإسلامي في بناء هذه الحضارة، وتحصر إنجازاتها في إسهامات اليهود والمسيحيين.
وأمام هذه المحاولات المتواصلة، يبرز السؤال الذي يفرض نفسه: أين المؤسسات الرسمية العربية من هذا الإهمال الممنهج؟ أين المشاريع التي تهدف إلى ترميم المعالم الإسلامية في الأندلس وإحيائها؟ أين الجهود العربية والإسبانية لدعم الجمعيات والمؤسسات الثقافية التي تسعى للحفاظ على هذا الإرث؟ أين الدعم العربي لجمعية “أصدقاء القصبة في ألميريا”، و”المؤسسة الإسلامية في إسبانيا” (فونسي)، و”دائرة الصداقة العربية الإسبانية” (ثيار)، وغيرها من المنظمات التي تعمل للحفاظ على الهوية الأندلسية؟
هذه الأسئلة رغم أهميتها تبقى بلا إجابة، وبينما تستثمر جهات دولية في إعادة رسم تاريخ الأندلس وفق رؤيتها الخاصة، يبدو أن الجانب العربي غائب تمامًا عن هذا الصراع الثقافي، رغم أنه يمس أحد أبرز الفصول في تاريخه الحضاري. فهل يستمر هذا التجاهل حتى تضيع الهوية الإسلامية للأندلس، ويصبح التاريخ حكرًا على روايات مشوهة لا تعكس الحقيقة؟







